فصل: تفسير الآيات رقم (172- 175)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الماوردي المسمى بـ «النكت والعيون» ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏66- 70‏]‏

‏{‏وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ‏(‏66‏)‏ وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا ‏(‏67‏)‏ وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ‏(‏68‏)‏ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ‏(‏69‏)‏ ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا ‏(‏70‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنعَمَ اللهُ عَلَيهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ والشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ اولَئِكَ رَفِيقاً‏}‏ أما الصديقون فهو جمع صديق، وهم أتباع الأنبياء‏.‏

وفي تسمية الصديق قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه فِعِّيل من الصِّدْقِ‏.‏

والثاني‏:‏ أنه فِعّيل من الصَدَقَة‏.‏ وأما الشهداء فجمع شهيد، وهو المقتول في سبيل اللَّه تعالى‏.‏

وفي تسمية الشهيد قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ لقيامه بشهادة الحق، حتى قتل في سبيل الله‏.‏

والثاني‏:‏ لأنه يشهد كرامة الله تعالى‏.‏ في الآخرة‏.‏ ويشهد على العباد بأعمالهم يوم القيامة إذا ختم له بالقتل في سبيل الله‏.‏

وأما الصالحون فجمع صالح وفيه قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه كل من صلح عمله‏.‏

والثاني‏:‏ هو كل من صلحت سريرته وعلانيته‏.‏

وأما الرفيق ففيه قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه مأخوذ من الرفق في العمل‏.‏

والثاني‏:‏ أنه مأخوذ من الرفق في السير‏.‏

وسبب نزول هذه الآية على ما حكاه الحسن وسعيد بن جبير وقتادة والربيع والسدي أنَّ ناساً توهموا أنهم لا يرون الأنبياء في الجنة لأنهم في أعلى عليين، وحزنوا وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏71- 74‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا ‏(‏71‏)‏ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا ‏(‏72‏)‏ وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا ‏(‏73‏)‏ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ‏(‏74‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُم‏}‏ فيه قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ يعني احذرواْ عَدُوَّكم‏.‏

والثاني‏:‏ معناه خذواْ سلاحكم فسماه حذراً لأنه به يتقي الحذر‏.‏

‏{‏فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرو جَمِيعاً‏}‏ والثُّبات‏:‏ جمع ثُبة، والثُبةُ العُصْبة، ومنه قول زهير‏:‏

لقد أغدو على ثُبةٍ كرام *** نشاوَى واجدين لما نشاء

فيكون معنى لآية فانفروا عُصَباً وفِرقاً أو جميعاً‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الْدُّنْيَا بِالأَخِرةِ‏}‏ يعني يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة، فعبر عن البيع بالشراء‏.‏

‏{‏وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً‏}‏ فإن قيل فالوعد من الله تعالى على القتال فكيف جعل على القتل أو الغلبة‏؟‏ قيل لأن القتال يفضي غالباً إلى القتل فصار الوعد على القتال وعداً على من يفضي إليه، والقتال على ما يستحقه من الوعد إذا أفضى إلى القتل والغلبة أعظم، وهكذا أخبر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏75- 76‏]‏

‏{‏وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا ‏(‏75‏)‏ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ‏(‏76‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏رَبَّنآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا‏}‏ هي مكة في قول جميع المفسرين، لما كانواْ عليه، كما أخبر الله به عنهم، من استضعاف الرجال والنساء والولدان وإفتانهم عن دينهم بالعذاب والأذى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏77- 79‏]‏

‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا ‏(‏77‏)‏ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ‏(‏78‏)‏ مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ‏(‏79‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيَل لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً‏}‏ فيمن نزلت هذه الآية فيه أربعة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أنها نزلت في ناس من الصحابة استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة في قتال المشركين فلم يأذن لهم، فلما كُتِبَ عليهم القتال وهم بالمدينة قال فريق منهم ما ذكره الله عنهم، وهذا قول ابن عباس، وعكرمة، وقتادة، والسدي‏.‏

والثاني‏:‏ أنها نزلت في المنافقين، وهو قول بعض البصريين‏.‏

والثالث‏:‏ أنها نزلت في اليهود‏.‏

والرابع‏:‏ أنها من صفة المؤمن لما طُبعَ عليه البشر من المخافة، وهذا قول الحسن‏.‏

‏{‏أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ‏}‏ في البروج ها هنا ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أنها القصور، وهو قول مجاهد، وابن جريج‏.‏

والثاني‏:‏ أنها قصور في السماء بأعيانها تسمى بهذا الاسم، وهو قول السدي، والربيع‏.‏

والثالث‏:‏ أنها البيوت التي في الحصون وهو قول بعض البصريين‏.‏

وأصل البروج الظهور، ومنه تبرج المرأة إذا أظهرت نفسها‏.‏

وفي المُشّيَّدَةِ ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ المجصصة، والشيد الجص، وهذا قول بعض البصريين‏.‏

والثاني‏:‏ أن المُشّيَّدَ المطول في الارتفاع، يقال شاد الرجل بناءه وأشاده إذا رفعه، ومنه أَشدت بذِكِرْ الرجل إذا رَفَعْتَ منه، وهذا قول الزجاج‏.‏

والثالث‏:‏ أن المُشّيَّد، بالتشديد‏:‏ المُطَّول، وبالتخفيف‏:‏ المجصَّص‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ‏}‏ في القائلين ذلك قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنهم المنافقون، وهو قول الحسن‏.‏

والثاني‏:‏ اليهود، وهو قول الزجاج‏.‏

وفي الحسنة والسيئة ها هنا ثلاثة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ البؤس والرخاء‏.‏

والثاني‏:‏ الخصب والجدب، وهو قول ابن عباس، وقتادة‏.‏

والثالث‏:‏ النصر والهزيمة، وهو قول الحسن، وابن زيد‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏مِنْ عِندِكَ‏}‏ تأويلان‏:‏

أحدهما‏:‏ أي بسوء تدبيرك، وهو قول ابن زيد‏.‏

والثاني‏:‏ يعنون بالشؤم الذي لحقنا منك على جهة التطُّير به، وهذا قول الزجاج، ومثله قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 131‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏

‏{‏مَا أَصَابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِك‏}‏ اختلف في المراد بهذا الخطاب على ثلاثة أقاويل‏.‏

أحدها‏:‏ أن الخطاب متوجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو المراد به‏.‏

والثاني‏:‏ أنه متوجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره، وهو قول الزجاج‏.‏

والثالث‏:‏ أنه متوجه إلى الإنسان، وتقديره‏:‏ ما أصابك أيها الإنسان من حسنة فمن الله، وهذا قول قتادة‏.‏

وفي الحسنة والسيئة ها هنا ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أن الحسنة النعمة في الدين والدنيا، والسيئة المصيبة في الدين والدنيا، وهذا قول بعض البصريين‏.‏

والثاني‏:‏ أن الحسنة ما أصابه يوم بدر، والسيئة ما أصابه يوم أحد من شج رأسه وكسر رباعيته، وهو قول ابن عباس، والحسن‏.‏

والثالث‏:‏ أن الحسنة الطاعة، والسيئة المعصية، وهذا قول أبي العالية‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَمِن نَّفْسِكَ‏}‏ قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ يعني فبذنبك‏.‏

والثاني‏:‏ فبفعلك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏80- 81‏]‏

‏{‏مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ‏(‏80‏)‏ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ‏(‏81‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ‏}‏ وإنما كانت طاعة لله لأنها موافقة لأمر الله تعالى‏.‏

‏{‏وَمَن تَوَلَّى فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً‏}‏ فيه تأويلان‏:‏

أحدهما‏:‏ يعني حافظاً لهم من المعاصي حتى لا تقع منهم‏.‏

والثاني‏:‏ حافظاً لأعمالهم التي يقع الجزاء عليها فتخاف ألاّ تقوم بها، فإن الله تعالى هو المجازي عليها‏.‏

‏{‏وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ‏}‏ يعني المنافقين، أي أمرنا طاعة‏.‏

‏{‏فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ‏}‏ والتبييت كل عمل دُبِّر ليلاً، قال عبيد بن همام‏:‏

أتوني فلم أرض ما بيّتوا *** وكانواْ أتوْني بأمرٍ نُكُر

لأُنْكِحَ أَيِّمَهُمْ منذراً *** وهل يُنْكِحُ الْعَبْدُ حُرٌّ لحُرْ‏؟‏

وفي تسمية العمل بالليل بياتاً قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ لأن الليل وقت المبيت‏.‏

والثاني‏:‏ لأنه وقت البيوت‏.‏

وفي المراد بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ‏}‏ قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنها غيّرت ما أضمرت من الخلاف فيما أمرتهم به أو نهيتهم عنه، وهذا قول ابن عباس، وقتادة، والسدي‏.‏

والثاني‏:‏ معناه فدبَّرت غير الذي تقول على جهة التكذيب، وهذا قول الحسن‏.‏

‏{‏وَاللهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ‏}‏ فيه قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ يكتبه في اللوح المحفوظ ليجازيهم عليه‏.‏

والثاني‏:‏ يكتبه بأن ينزله إليك في الكتاب، وهذا قول الزجاج‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏82- 83‏]‏

‏{‏أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ‏(‏82‏)‏ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ‏(‏83‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرءَآنَ‏}‏ أصل التدبر الدبور، لأنه النظر في عواقب الأمور‏.‏

‏{‏وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً‏}‏ في الاختلاف ها هنا ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ تناقض من جهة حق وباطل، وهذا قول قتادة، وابن زيد‏.‏

والثاني‏:‏ من جهة بليغ ومرذول، وهو قول بعض البصريين‏.‏

والثالث‏:‏ يعني اختلافاً في الأخبار عما يُسِرُّونَ، وهذا قول الزجاج‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ‏}‏ في المعني بهذا قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ المنافقون، وهو قول ابن زيد والضحاك‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم ضعفة المسلمين، وهو قول الحسن، والزجاج‏.‏

‏{‏وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ‏}‏ وفيهم ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أنهم الأمراء، وهذا قول ابن زيد، والسدي‏.‏

والثاني‏:‏ هم أمراء السرايا‏.‏

والثالث‏:‏ هم أهل العلم والفقه، وهذا قول الحسن، وقتادة، وابن جريج، وابن نجيح، والزجاج‏.‏

‏{‏لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ‏}‏ فيهم قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنهم أولو الأمر‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم المنافقون أو ضعفة المسلمين المقصودون بأول الآية، ومعنى يستنبطونه‏:‏ أي يستخرجونه، مأخوذ من استنباط الماء، ومنه سُمِّي النبط لاستنباطهم العيون‏.‏

‏{‏وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لآتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً‏}‏ في فضل الله ها هنا ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ يعني النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

والثاني‏:‏ القرآن‏.‏

والثالث‏:‏ اللطف والتوفيق‏.‏

وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لآتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً‏}‏ أربعة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ يعني لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً منكم فإنه لم يكن يتبع الشيطان‏.‏

والثاني‏:‏ لعلمه الذين يستنبطون إلا قليلاً منكم وهذا قول الحسن وقتادة‏.‏

والثالث‏:‏ أذاعوا به إلا قليلاً، وهذا قول ابن عباس، وابن زيد‏.‏

والرابع‏:‏ لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً مع الاتباع‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏84- 87‏]‏

‏{‏فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا ‏(‏84‏)‏ مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا ‏(‏85‏)‏ وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ‏(‏86‏)‏ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ‏(‏87‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِنْهَا‏}‏ في الشفاعة الحسنة والشفاعة السيئة قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه مسألة الإنسان في صاحبه أن يناله خير بمسألته أو شر بمسألته، وهذا قول الحسن، ومجاهد، وابن زيد‏.‏

والثاني‏:‏ أن الشفاعة الحسنة الدعاء للمؤمنين، والشفاعة السيئة الدعاء عليهم، لأن اليهود كانت تفعل ذلك فتوعَّدَهُم الله عليه‏.‏ وفي الكِفْلِ تأويلان‏:‏

أحدها‏:‏ أنه الوِزر والإثم، وهو قول الحسن، وقتادة‏.‏

والثاني‏:‏ أنه النصيب، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 28‏]‏ وهو قول السدي، والربيع، وابن زيد‏.‏

‏{‏وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً‏}‏ فيه خمسة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ يعني مقتدراً، وهو قول السدي، وابن زيد‏.‏

والثاني‏:‏ حفيظاً، وهو قول ابن عباس، والزجاج‏.‏

والثالث‏:‏ شهيداً، وهو قول مجاهد‏.‏

والرابع‏:‏ حسيباً، وهو قول ابن الحجاج، ويحكى عن مجاهد أيضاً‏.‏

والخامس‏:‏ مجازياً، وأصل المقيت القوت، فَسُمِّي به المقتدر لأنه قادر على إعطاء القوت، ثم صار اسماً في كل مقتدر على كل شيءٍ من قوت غيره، كما قال الزبير ابن عبد المطلب‏:‏

وذي ضَغَنٍ كَففْتُ النَّفْسَ عنه *** وكنتُ على مَسَاءَتِهِ مُقِيتاً

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَا‏}‏ في المراد بالتحية ها هنا قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه الدعاء بطول الحياة‏.‏

والثاني‏:‏ السلام تطوع مستحب، ورده فرض، وفيه قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن فرض رّدِّهِ عَامٌّ في المسلم والكافر، وهذا قول ابن عباس، وقتادة، وابن زيد‏.‏

والثاني‏:‏ أنه خاص في المسلمين دون الكافر، وهذا قول عطاء‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏بِأَحْسَنَ مِنْهَآ‏}‏ يعني الزيادة في الدعاء‏.‏

‏{‏أَوْ رُدُّوهَا‏}‏ يعني بمثلها، وروى الحسن أن رجلاً سلَّم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ السلام عليكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «وَعَلَيْكُمُ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ» ثم جاء آخر فقال‏:‏ السلام عليكم ورحمة الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «وَعَلَيْكُمُ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وًبَرَكاَتُهُ» ثم جاء آخر فقال‏:‏ «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏» وَعَلَيْكُم «فقيل‏:‏ يا رسول الله رددت على الأول والثاني وقلت للثالث وعليكم، فقال‏:‏» إِنَّ الأَوَّلَ سَلّمَ وَأَبْقَى مِنَ التَّحِيَّةِ شَيئاً، فَرَدَدْتُ عَلَيهِ بِأَحْسَنَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، كَذَلِكَ الثَّانِي، وإنَّ الثَّالِثَ جَاءَ بِالتَّحِيَّةِ كُلِّهَا، فَرَدَدْتُ عَلَيهِ مِثْلَ ذَلِكَ

«‏.‏ وقد قال ابن عباس‏:‏ ترد بأحسن منها على أهل الإِسلام، أو مثلها على أهل الكفر، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏» لا تَبْدَأُواْ اليَهُودُ بِالسَّلاَمِ فَإِنْ بَدَأُوكُم فَقُولُواْ‏:‏ عَلَيكُم

«‏.‏ ‏{‏إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً‏}‏ فيه ثلاثة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ يعني حفيظاً، وهو قول مجاهد‏.‏

والثاني‏:‏ محاسباً على العمل للجزاء عليه، وهو قول بعض المتكلمين‏.‏

والثالث‏:‏ كافياً، وهو قول البلخي‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الله لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ‏}‏ وفي تسمية القيامة قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ لأن الناس يقومون فيه من قبورهم‏.‏

والثاني‏:‏ لأنهم يقومون فيه للحساب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏88- 91‏]‏

‏{‏فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا ‏(‏88‏)‏ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ‏(‏89‏)‏ إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا ‏(‏90‏)‏ سَتَجِدُونَ آَخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا ‏(‏91‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَا لَكُم فِي المُنَافِقِينَ فِئَتَينِ‏}‏ اختلف فيمن نزلت هذه الآية بسببه على خمسة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أنها نزلت في الذين تخلَّفُواْ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وقالواْ‏:‏ لو نعلم قتالاً لاتبعناكم، وهذا قول زيد بن ثابت‏.‏

والثاني‏:‏ أنها نزلت في قوم قَدِمُواْ المدينة فأظهروا الإسلام، ثم رجعواْ إلى مكة فأظهروا الشرك، وهذا قول الحسن، ومجاهد‏.‏

والثالث‏:‏ أنها نزلت في قوم أظهرواْ الإِسلام بمكة وكانواْ يعينون المشركين على المسلمين، وهذا قول ابن عباس، وقتادة‏.‏

والرابع‏:‏ أنها نزلت في قوم من أهل المدينة أرادوا الخروج عنها نفاقاً، وهذا قول السدي‏.‏

والخامس‏:‏ أنها نزلت في قوم من أهل الإفك، وهذا قول ابن زيد‏.‏

وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَاللهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا‏}‏ خمسة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ معناه ردهم، وهذا قول ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أوقعهم، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً‏.‏

والثالث‏:‏ أهلكهم، وهذا قول قتادة‏.‏

والرابع‏:‏ أَضَلَّهم، وهذا قول السدي‏.‏

والخامس‏:‏ نكسهم، وهذا قول الزجاج‏.‏

‏{‏أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللهُ‏}‏ فيه قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن تُسَمُّوهم بالهُدى وقد سمّاهم الله بالضلال عقوبة لهم‏.‏

والثاني‏:‏ تهدوهم إلى الثواب بمدحهم والله قد أَضَلَّهم بذمهم‏.‏

‏{‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ‏}‏ أي يدخلون في قوم بينكم وبينهم أمان فلهم منه مثل ما لكم‏.‏

قال عكرمة‏:‏ نزلت في الهلال بن عويمر الأسلمي، وسراقة بن مالك بن جُعْثَم، وخزيمة بن عامر بن عبد مناف‏.‏

قال الحسن‏:‏ هؤلاء بنو مُدْلِج كان بينهم وبين قريش عهد، وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏[‏وقريش‏]‏ عهد، فحرم الله من بني مُدْلِجِ ما حرّم من قريش‏.‏

‏{‏أَوْ جَآؤُكُمْ حَصِرتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ‏}‏ معنى حصرت أي ضاقت، ومنه حُصِرَ العدو وهو الضيق، ومنه حصر العداة لأنهم قد ضاقت عليهم مذاهبهم‏.‏

ثم فيه قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه إخبارٌ من الله عنهم بأن صدورهم حَصِرتْ‏.‏

والثاني‏:‏ أنه دعاء من الله عليهم بأن تُحصَرَ صدورهم، وهذا قول أبي العباس‏.‏

‏{‏وَلَوْ شَآءَ اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ‏}‏ وفي تسليطهم قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ بتقوية قلوبهم‏.‏

والثاني‏:‏ بالإذن في القتال ليدافعواْ عن أنفسهم‏.‏

‏{‏فَإِن اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ‏}‏ فيه قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ الصلح، وهو قول الربيع‏.‏

والثاني‏:‏ الإِسلام، وهو قول الحسن‏.‏

‏{‏فَمَا جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً‏}‏ قال الحسن، وقتادة، وعكرمة‏:‏ هي منسوخة بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيثُ وَجَدْتُمُوهُمْ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 5‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ‏}‏ هم قوم يُظْهِرُونَ لقومهم الموافقة ليأمنوهم، وللمسلمين الإسلام ليأمنوهم، وفيهم أربعة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أنهم أهل مكة، وهذا قول مجاهد‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم من أهل تهامة، وهذا قول قتادة‏.‏

والثالث‏:‏ قوم من المنافقين، وهذا قول الحسن‏.‏

والرابع‏:‏ أنه نعيم بن مسعود الأشجعي، وهذا قول السدي‏.‏

‏{‏كُلَّ مَا ردُوُّاْ إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُواْ فِيهَا‏}‏ أي كلما رُدُّوا إلى المحنة في إظهار الكفر رجعواْ فيه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏92- 93‏]‏

‏{‏وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ‏(‏92‏)‏ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ‏(‏93‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً‏}‏ اختلف فيمن نزلت فيه هذه الآية على قولين‏:‏

أحدهما‏:‏ أنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي وكان أخا أبي جهل لأمه قتل الحارث بن زيد من بني عامر بن لؤي، لأنه كان يعذب عياشاً مع أبي جهل واختلف أين قتله، فقال عكرمة ومجاهد‏:‏ قتله بالحرّة بعد هجرته إلى المدينة وهو لا يعلم بإسلامه، وقال السدي‏:‏ قتله يوم الفتح وقد خرج من مكة وهو لا يعلم بإسلامه‏.‏

والقول الثاني‏:‏ أنها نزلت في أبي الدرداء حين قتل رجلاً بالشعب فحمل عليه بالسيف، فقال‏:‏ لا إله إلا الله، فبدر فضربه ثم وجد في نفسه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «أّلاَ شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ

» وهذا قول ابن زيد‏.‏ فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً‏}‏ يعني وما أّذِنَ الله لمؤمن أن يقتل مؤمناً‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏إلاَّ خَطَأ‏}‏ يعني أن المؤمن قد يقتل المؤمن خطأ وليس مما جعله الله له، وهذا من الاستثناء الذي يسميه أهل العربية‏:‏ الاستثناء المنقطع، ومنه قول جرير‏:‏

من البيض لم تظعن بعيداً ولم تطأ *** على الأرض إلاّ ريْط بُردٍ مرحّلِ

يعني ولم تطأ على الأرض إلا أن تطأ ذيل البرد وليس البرد من الأرض‏.‏

‏{‏وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ‏}‏ وفيها قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنها لا يجزئ عتقها في الكفارة إلا أن تكون مؤمنة بالغة قد صلت وصامت، وهذا قول ابن عباس، والشعبي، والحسن، وقتادة، وإبراهيم‏.‏

والقول الثاني‏:‏ أن الصغيرة المولودة من أبوين مسلمين تكون مؤمنة تجزئ في الكفارة، وهذا قول عطاء، والشافعي‏.‏

‏{‏وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ‏}‏ في الدية وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنها مجملة أخذ بيانها من رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

والثاني‏:‏ أنها معهودة تقدم العمل بها ثم توجه الخطاب إليها فجعل الله الرقبة تكفيراً للقاتل في ماله والدية بدلاً من نفس المقتول على عاقلته‏.‏

‏{‏فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ‏}‏ فيه قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أي إن كان قومه كفاراً وهو مؤمن ففي قتله تحرير رقبة مؤمنة وليس فيه ديةُ، وهو قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، وابن زيد‏.‏ قال ابن زيد‏:‏ لا تؤدى إليهم لأنهم يَتَقوُّونَ بها‏.‏

والثاني‏:‏ معناه فإن كان من قومٍ عدو لكم يعني أهل حرب إذا كان فيهم مؤمن فَقُتِلَ من غير علم بإيمانه ففيه الكفارة دون الدية سواء كان وارثه مسلماً أو كافراً وهذا قول الشافعي، ويكون معنى قوله‏:‏ ‏{‏من قوم إلى قوم‏}‏، وعلى القول الأول هي مستعملة على حقيقتها‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنةٍ‏}‏ فيهم ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ هم أهل الذمة من أهل الكتاب، وهو قول ابن عباس، يجب في قتلهم الدية والكفارة‏.‏

والثاني‏:‏ هم أهل عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من العرب خاصة، وهذا قول الحسن‏.‏

والثالث‏:‏ هم كل من له أمان بذمة أو عهد فيجب في قتله الدية والكفارة، وهو قول الشافعي‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ‏}‏ فيه قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن الصوم بدل من الرقبة وحدها إذا عدمها دون الدية، وهذا قول الجمهور‏.‏

والثاني‏:‏ أنه بدل من الرقبة والدية جميعاً عند عدمها، وهذا قول مسروقٍ‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا‏}‏ قال ابن جريج‏:‏ نزلت في مقيس بن صبابة، وقد كان رجل من بني فهر قتل أخاه، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم الدية وضربها علي بني النجار، فقبلها، ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مقيس بن صبابة ومعه الفهري في حاجة فاحتمل مقيس الفهريَّ وكان أَيِّدا فضرب به الأرض ورضخ رأسه بين حجرين ثم ألقى يغني‏:‏

قتلت به فِهراً وحملت عقله *** سراة بني النجار أرباب فارع

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «أَظُنُّهُ أَحْدَثَ حَدَثاً، أَمَا وَاللَّهِ لَئِن كَانَ فَعَلَ لاَ أُؤَمِّنْهُ فِي حِلٍ وَلاَ حَرمٍ فَقُتِلَ عَامَ الفَتْحِ»‏.‏

وروى سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏وَمَن يَقْتُلْ مَؤْمِناً مُّتَعمِدّاً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ‏}‏ الآية، فقيل له‏:‏ وإن تاب وآمن وعمل صالحاً‏.‏ قال وأنَّى له التوبة‏.‏ قال زيد بن ثابت‏.‏ فنزلت الشديدة بعد الهدنة بستة أشهر، يعني قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا‏}‏ بعد قوله‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهاً ءَاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهَ إِلاَّ بِالْحَقِّ‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 68‏]‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏94‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ‏(‏94‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُم فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُواْ‏}‏‏.‏

الآية‏.‏ قيل إنها نزلت في رجل كانت معه غُنَيْمَاتُ لقيته سريَّة لرسول الله صلى الله عليهم وسلم، فقال لهم‏:‏ السلام عليكم لا إله إلا الله محمد رسول الله، فبدر إليه بعضهم فقتله، فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له‏:‏ «لِمَ قَتَلْتَهُ وَقَدْ أَسْلَمَ» قال إنما قالها تعوذاً، قال‏:‏ «هَلاَّ شَقَقْتَ عَن قَلْبِهِ» ثم حمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ديته إلى أهله وردّ عليهم غنمه‏.‏

واختلف في قاتله على خمسة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أنه أسامة بن زيد، وهو قول السدي‏.‏

والثاني‏:‏ أنه المقداد، وهو قول سعيد ابن جبير‏.‏

والثالث‏:‏ أبو الدرداء، وهو قول ابن زيد‏.‏

والرابع‏:‏ عامر بن الأضبط الأشجعي، وهو قول ابن عمر‏.‏

والخامس‏:‏ هو محلِّم بن جثامة الليثي‏.‏ ويقال إن القاتل لفظته الأرض ثلاث مرات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إنَّ الأَرْضَ لَتَقْبَلُ مَنْ هُوَ شَرٌ مِّنهُ وَلَكنَّ اللَّهَ جَعَلهُ لَكُم عِبْرَةً، ثُمَّ أَمَرَ بِأَن تُلْقْى عَلَيهِ الحِجَاَرةُ

»‏.‏ ‏{‏كَذَلِكَ كنتُم مِّن قَبْلُ‏}‏ أي كفاراً مثلهم‏.‏

‏{‏فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ‏}‏ يعني بالإسلام‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏95- 100‏]‏

‏{‏لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ‏(‏95‏)‏ دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ‏(‏96‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ‏(‏97‏)‏ إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ‏(‏98‏)‏ فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا ‏(‏99‏)‏ وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ‏(‏100‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً‏}‏‏.‏

في المراغم خمسة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ أنه المتحوَّل من أرض إلى أرض، وهذا قول ابن عباس والضحاك‏.‏ ومنه قول نابغة بني جعدة‏:‏

كطْودٍ يُلاذ بأركانه‏.‏‏.‏‏.‏ *** عزيز المراغم والمطلب

والثاني‏:‏ مطلب المعيشة، وهو قول السدي، ومنه قول الشاعر‏:‏

إلى بلدٍ غير داني المحل‏.‏‏.‏‏.‏ *** بَعيد المُراغم والمطلب

والثالث‏:‏ أن المراغم المهاجر، وهو قول ابن زيد‏:‏

والرابع‏:‏ يعني بالمراغم مندوحة عما يكره‏.‏

والخامس‏:‏ أن يجد ما يرغمهم به، لأن كل من شخص عن قومه رغبة عنهم فقد أرغمهم، وهذا قول بعض البصريين‏.‏

وأصل ذلك الرغم وهو الذل‏.‏ والرّغام‏:‏ التراب لأنه ذليل، والرُّغام بضم الراء ما يسيل من الأنف‏.‏

وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَسَعَةً‏}‏ ثلاث تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ سعة في الرزق وهو قول ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ يعني من الضلالة إلى الهدى ومن العيلة إلى الغنى، وهو قول قتادة‏.‏

والثالث‏:‏ سعة في إظهار الدين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏101‏]‏

‏{‏وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا ‏(‏101‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا ضَرَبْتُم فِي الأَرْضِ‏}‏ أي سرتم، لأنه يضرب الأرض برجله في سيره كضربه بيده، ولذلك سُمِّيَ السفر في الأرض ضَرْباً‏.‏

‏{‏فَلَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِن الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا‏}‏ اختلف في هذا القصر المشروط بالخوف على قولين‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه قَصَرَ أركانها إذا خاف، مع استيفاء أعدادها فيصلي عند المسايفة والتحام القتال كيف أمكنه قائماً وقاعداً ومومياً، وهي مثل قوله‏:‏ ‏{‏فَإِنْ خِفْتُمْ فِرجَالاً أَوْ رُكْبَاناً‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 239‏]‏ وهذا قول ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أنه قصر أعدادها من أربع إلى ما دونها، وفيه ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أن هذا مشروط بالخوف من أربع إلى ركعتين، فإن كان آمناً مقيماً لم يقصر، وهذا قول سعد بن أبي وقاص، وداود بن علي‏.‏

والثاني‏:‏ أنه قَصْران، فقصر الأمَنْ، من الأربع إلى ركعتين، وقصر الخوف من ركعتين إلى ركعة، وهذا قول جابر بن عبد الله والحسن‏.‏ وقد روى مجاهد عن ابن عباس قال‏:‏ فرض الله عز وجل على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة‏.‏

والثالث‏:‏ أنه يقصر في سفر خائفاً وآمناً من أربع إلى ركعتين لا غير‏.‏

روي عن أبي أيوب عن علي عليه السلام قال‏:‏ سأل قوم من التجار رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا‏:‏ يا رسول إنا نضرب في الأرض فكيف نصلي‏؟‏ فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِن الصَّلاَةِ‏}‏ ثم انقطع الوحي، فلما كان بعد ذلك بحول غزا النبي صلى الله عليه وسلم فصلى الظهر، فقال المشركون‏:‏ لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم هلاّ شددتم عليهم‏؟‏ فقال قائل منهم‏:‏ إن لهم أُخرى مثلها في أثرها، فأنزل الله تعالى بين الصلاتين ‏{‏إِن خِفْتُم أَن يَفْتِنَكُم الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُم عَدُوّاً مُبِيْناً‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏عَذَاباً مُّهِيناً‏}‏ فنزلت صلاة الخوف‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏102‏]‏

‏{‏وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ‏(‏102‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا كُنْتَ فِيهِم فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ‏}‏ وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي في الخوف بأصحابه‏.‏ واختلف أهل العلم فيه هل خص به النبي صلى الله عليه وسلم‏؟‏ على قولين‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه خاص له وليس لغيره من أمته أن يصلي في الخوف كصلاته، لأن المشركين عزموا على الإيقاع بالمسلمين إذا اشتغلوا بصلاتهم، فاطلع الله نبيه على سرائرهم وأمره بالتحرز منهم، فكان ذلك سبب إسلام خالد بن الوليد، فلذلك صار هذا خاصاً للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا القول محكي عن أبي يوسف‏.‏

والقول الثاني‏:‏ أن ذلك عام للنبي صلى الله عليه وسلم ولغيره من أمته إذا كان على مثل حاله في خوفه، لأن ذكر السبب الذي هو الخوف يوجب حمله عليه متى وجد كما فعل الصحابة بعده حين خافوا وهو قول الجمهور‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ‏}‏ يعني مع النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، وطائفة بإزاء العدو‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ‏}‏ فيه قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن المأمورين بأخذ السلاح هم الذين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا قول الشافعي‏.‏

والثاني‏:‏ هم الذين بإزاء العدو يحرسون، وهذا قول ابن عباس‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِذَا سَجَدُواْ‏}‏ يعني فإذا سجدت الطائفة التي معك في الصلاة‏.‏

‏{‏فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ‏}‏ يعني بإزاء العدو‏.‏

واختلفوا في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مِن وَرَآئِكُمْ‏}‏ هل ذلك بعد فراغهم من الصلاة وتمامها بالركعة التي أدركوها معه‏؟‏ على قولين‏:‏

أحدهما‏:‏ قد تمت بالركعة حتى يصلوا معها بعد فراغ الإمام ركعة أخرى، وهذا قول من أوجب عليه الخوف ركعتين‏.‏

ومن قال بهذا اختلفوا هل يتمون الركعة الباقية عليهم قبل وقوفهم بإزاء العدو أو بعده‏؟‏ على قولين‏:‏

أحدهما‏:‏ قبل وقوفهم بإزاء العدو، وهو قول الشافعي‏.‏

والثاني‏:‏ بعده وهو قول أبي حنيفة‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَك‏}‏ يريد الطائفة التي بإزاء العدو تأتي فتصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الركعة التي بقيت عليه، وتمضي الطائفة التي صلّت فتقف موضعها بإزاء العدو‏.‏ وإذا صلت مع النبي صلى الله عليه وسلم الركعة الباقية عليه ففيه قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن ذلك فرضها وتسلم بسلامه، وهذا قول من جعل فرضه في الخوف ركعة‏.‏

والقول الثاني‏:‏ أن عليها ركعة أخرى، وهذا قول من جعل فرضه في الخوف ركعتين كالأمن، فعلى هذا متى تفارقه‏؟‏ فعلى قولين‏:‏

أحدهما‏:‏ قبل تشهده‏.‏

والثاني‏:‏ بعده، وقد روى القولين معاً سهل بن أبي حَثمة عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

وهل تتم ركعتها الباقية وقوفها بإزاء العدو‏؟‏ على قولين‏:‏

أحدهما‏:‏ تتمها قبل الوقوف بإزائه، وهو قول الشافعي‏.‏

والثاني‏:‏ تقف بإزائه قبل إتمامها حتى إذا أتمت الطائفة الأولى ركعتها عادت فوقفت بإزاء العدو، ثم خرجت هذه فأتمت ركعتها، وهذا قول أبي حنيفة‏.‏

وهذه الصلاة هي نحو صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏103- 104‏]‏

‏{‏فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ‏(‏103‏)‏ وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ‏(‏104‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإذَا قَضَيتُمُ الصَلاَّةَ فَاذْكُرُواْ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً‏}‏ يعني ذكر الله بالتعظيم والتسبيح والتقديس بعد صلاته في خوفٍ وغيره‏:‏ قال ابن عباس‏:‏ لم يعذر أحد في تركه إلا مغلوباً على عقله‏.‏

‏{‏فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ‏}‏ فيه تأويلان‏:‏

أحدهما‏:‏ يعني فإذا أقمتم بعد السفر فأتموا الصلاة من غير قصر، وهذا قول الحسن، وقتادة، ومجاهد‏.‏

والثاني‏:‏ معناه فإذا أمِنْتم بعد خوفكم فأتموا الركوع والسجود من غير إيماء ولا مشي، وهذا قول السدي‏.‏

‏{‏إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً‏}‏ فيه تأويلان‏:‏

أحدهما‏:‏ أي فرضاً واجباً، وهو قول ابن عباس، والحسن‏.‏

والثاني‏:‏ يعني مؤقتة في أوقاتها ونجومها، كلما مضى نجم جاء نجم، وهو قول ابن مسعود، وزيد بن أسلم‏.‏

‏{‏وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاءِ الْقَومِ‏}‏ أي لا تضعفواْ في طلبهم لحربهم‏.‏

‏{‏إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ‏}‏ أي ما أصابهم منكم فإنهم يألمون به كما تألمون بما أصابكم منهم‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لاَ يَرْجُونَ‏}‏ أي هذه زيادة لكم عليهم وفضيلة خُصِصْتُم بها دونهم مع التساوي في الألم‏.‏

وفي هذا الرجاء اثنان من التأويلات‏:‏

أحدهما‏:‏ معناه أنكم ترجون من نصر الله ما لا يرجون‏.‏

والثاني‏:‏ تخافون من الله لا يخافون، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ للهِ وَقَاراً‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 31‏]‏ أي لا تخافون لله عظمة‏.‏ ومنه قول الشاعر‏:‏

لا ترتجي حين تلاقي الذائدا *** أسبعةً لاقت معاً أم واحداً

تفسير الآيات رقم ‏[‏105- 115‏]‏

‏{‏إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ‏(‏105‏)‏ وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ‏(‏106‏)‏ وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا ‏(‏107‏)‏ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا ‏(‏108‏)‏ هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا ‏(‏109‏)‏ وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ‏(‏110‏)‏ وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ‏(‏111‏)‏ وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ‏(‏112‏)‏ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ‏(‏113‏)‏ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ‏(‏114‏)‏ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ‏(‏115‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّا أَنزَلْنآ إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ‏}‏ يحتمل ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ أن الكتاب حق‏.‏

والثاني‏:‏ أن فيه ذكر الحق‏.‏

والثالث‏:‏ أنك به أحق‏.‏

‏{‏لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ‏}‏ يحتمل وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ بما أعلمك الله أنه حق‏.‏

والثاني‏:‏ بما يؤديك اجتهادك إليه أنه حق‏.‏

‏{‏وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خصيماً‏}‏ أي مخاصماً عنهم، وهذه الآية نزلت في طعمة بن أبيرق، واختلف في سبب نزولها فيه، فقال السدي‏:‏ كان قد أودع درعاً وطعاماً فجحده ولم تقم عليه بينه، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدفع عنه، فبين الله تعالى أمره‏.‏

وقال الحسن‏:‏ إنه كان سرق درعاً وطعاماً فأنكره واتهم غيره وألقاه في منزله، وأعانه قوم من الأنصار، وخاصم النبي صلى الله عليه وسلم عنه أو هَمّ بذلك، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية إلى قوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً‏}‏ يعني الذي اتهمه السارق وألقى عليه السرقة‏.‏

وقيل‏:‏ إنه كان رجلاً من اليهود يقال له يزيد بن السمق‏.‏

وقيل‏:‏ بل كان رجلاً من الأنصار يُقال له لبيد بن سهل‏.‏

وقيل‏:‏ طعمة بن أبيرق فارتد فنزلت فيه هذه الآية‏.‏

ولحق بمشركي أهل مكة فأنزل الله تعالى فيه‏:‏ ‏{‏وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى‏}‏ الآية ‏[‏النساء‏:‏ 115‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏116- 122‏]‏

‏{‏إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ‏(‏116‏)‏ إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا ‏(‏117‏)‏ لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ‏(‏118‏)‏ وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا ‏(‏119‏)‏ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا ‏(‏120‏)‏ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا ‏(‏121‏)‏ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا ‏(‏122‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً‏}‏ فيه أربعة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ أن الإناث اللات والعزى ومَناة، وهو قول السدي وابن زيد وأبي مالك‏.‏

والثاني‏:‏ أنها الأوثان، وكان في مصحف عائشة‏:‏ ‏{‏إِن تَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً‏}‏‏.‏

والثالث‏:‏ الملائكة، لأنهم كانواْ يزعمون أنهم بنات الله، وهذا قول الضحاك‏.‏

والرابع‏:‏ الموات الذي لا روح فيه، لأن إناث كل شيء أرذله، وهو قول ابن عباس، وقتادة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولأُضِلَّنَّهُمْ‏}‏ يعني الإيمان‏.‏

‏{‏ولأُمَنِّيَنَّهُمْ‏}‏ يعني بطول الأمل في الدنيا ليؤثروها على الآخرة‏.‏

‏{‏وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ الأَنْعَامِ‏}‏ أي لَيُقَطِّعُنَّهَا نُسكاً لأوثانهم كالبحيرة والسائبة‏.‏

‏{‏وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ‏}‏ فيه ثلاث تأويلات‏.‏

أحدها‏:‏ يعني دين الله، وهذا قول الحسن، وقتادة، ومجاهد، وإبراهيم‏.‏

والثاني‏:‏ أنه أراد به خصاء البهائم، وهذا قول ابن عباس، وأنس، وعكرمة‏.‏

والثالث‏:‏ أنه الوشم، وهو قول ابن مسعود، والحسن‏.‏

قال ابن مسعود‏:‏ «لَعَنَ اللَّهُ الوَاشِمَاتِ والمُسْتَوشِمَاتِ وَالنَّامِصَاتِ والمتنمِّصَاتِ والمُتَفَلِّجَاتِ للحسُنِ المُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ»‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏123- 126‏]‏

‏{‏لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ‏(‏123‏)‏ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ‏(‏124‏)‏ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ‏(‏125‏)‏ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا ‏(‏126‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيَّ أَهْلِ الْكِتَابِ‏}‏ في الكلام مضمر محذوف وتقديره ليس الثواب بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، على قولين‏:‏

أحدهما‏:‏ أنهم عبدة الأوثان، وهو قول مجاهد‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم أهل الإسلام، وهو قول مسروق، والسدي‏.‏

‏{‏مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ‏}‏ السوء ما يسوء من القبائح، وفيه ها هنا ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أنه الشرك بالله تعالى، وهو قول ابن عباس‏.‏

الثاني‏:‏ أنه الكبائر، وهذا قول أُبَيِّ بن كعب‏.‏

والثالث‏:‏ أنه ما يلقاه الإنسان في الدنيا من الأحزان والمصائب جزاءً عن سيئاته كما روى محمد بن قيس بن مخرمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ لما نزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْرَ بِهِ‏}‏ شقت على المسلمين وبلغت بهم ما شاء الله أن تبلغ فَشَكو ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ «قَارِبُوا وَسدِّدُواْ فَفِي كُلِّ مَا يُصَابُ بِهِ المُسْلِمُ كَفَّارَةٌ حَتَّى النَّكْبةُ يُنْكَبُهَا أو الشَّوْكِةُ يُشَاكُهاَ

»‏.‏ وروى الأعمش عن مسلم قال‏:‏ قال أبو بكر‏:‏ يا رسول الله ما أشَدَّ هذه الآية ‏{‏مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْرَ بِهِ‏}‏ فقال‏:‏ «يَا أَبَا بَكْر إِنَّ المُصِيْبَةَ فِي الدُّنْيَا جَزَاءٌ

»‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏127‏]‏

‏{‏وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا ‏(‏127‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَآءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ‏}‏ الآية‏.‏ اختلف في سبب نزول هذه الآية على قولين‏:‏

أحدهما‏:‏ هو أن سبب نزولها أنهم في الجاهلية كانواْ لا يورثون النساء ولا الأطفال، فلما فرض الله تعالى المواريث في هذه السورة شق ذلك على الناس، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏اللاَّتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ‏}‏ فيه قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ يعني المواريث، وهذا قول ابن عباس بن جبير وقتادة مجاهد وابن زيد‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم كانواْ لا يؤتون النساء صدقاتهن ويتملكها أولياؤهن، فلما نزل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَءَاتُواْ النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً‏}‏ سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى هذه الآية‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏اللاَّتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ‏}‏ يعني ما فرض لهن من الصداق وهو قول عائشة‏.‏

‏{‏وترغبون أن تنكحوهن‏}‏ فيه تأويلان‏:‏

أحدهما‏:‏ ترغبون عن نكاهن لقبحهن‏.‏

والثاني‏:‏ تمسكونهن رغبة في أموالهن وجمالهن، وهو قول عائشة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏128- 130‏]‏

‏{‏وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ‏(‏128‏)‏ وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ‏(‏129‏)‏ وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا ‏(‏130‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً‏}‏ الآية اختلف في سبب نزول هذه الآية على قولين‏:‏

أحدهما‏:‏ أنها نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هم بطلاق سودة بنت زمعة فجعلت يومها لعائشة على ألا يطلقها، فنزلت هذه الآية فيها‏.‏ وهذا قول السدي‏.‏

والقول الثاني‏:‏ أنها عامة في كل امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً‏.‏ والنشوز‏:‏ الترفع عنها لبغضها، والإعراض‏:‏ أن ينصرف عن الميل إليها لمؤاخذة أو أثرة‏.‏

‏{‏فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحا بَيْنَهُمَا صُلْحاً‏}‏ إمَّا من تَرْكِ مهرٍ أو إسقاط قَسَم‏.‏

‏{‏وَالصُّلْحُ خَيْرٌ‏}‏ فيه تأويلان‏:‏

أحدهما‏:‏ يعني خيراً من النشوز والإعراض، وهو قول بعض البصريين‏.‏

والثاني‏:‏ خير من الفرقة، وهو قول الزجاج‏.‏

‏{‏وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ‏}‏ فيه تأويلان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنفس النساء أحضرت الشح عن حقوقهن من أزواجهن وأموالهن، وهذا قول ابن عباس، وسعيد بن جبير‏.‏

والثاني‏:‏ أحضرت نفس كل واحد من الرجل والمرأة الشح بحقه قبل صاحبه، وهو قول الحسن‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَآءِ‏}‏ يعني بقلوبكم ومحبتكم‏.‏

‏{‏وَلَوْ حَرَصْتُمْ‏}‏ فيه تأويلان‏:‏

أحدهما‏:‏ ولو حرصتم أن تعدلوا في المحبة، وهو قول مجاهد‏.‏

والثاني‏:‏ ولو حرصتم في الجماع، وهو قول ابن عباس‏.‏

‏{‏فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ‏}‏ أي فلا تميلواْ بأفعالكم فتُتْبِعُوهَا أهواءَكم‏.‏

‏{‏فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ‏}‏ يعني لا أيِّماً ولا ذات زوْج‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ‏}‏ يعني الزوجين إن تفرقا بالطلاق‏.‏

‏{‏يُغْنِ اللهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ‏}‏ يحتمل ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ يغني الله كل واحد منهما بالقناعة والصبر عن صاحبه، ومعنى قوله‏:‏ ‏{‏من سعته‏}‏ أي من رحمته، لأنه واسع الرحمة‏.‏

والثاني‏:‏ يغني الله كل واحد منهما عن صاحبه بمن هو خير منه، ومعنى قوله‏:‏ ‏{‏من سعته‏}‏ أي من قدرته لأنه واسع القدرة‏.‏

والثالث‏:‏ يغني الله كل واحد منهما بمال يكون أنفع له من صاحبه‏.‏ ومعنى قوله‏:‏ ‏{‏من سعته‏}‏ أي من غناه لأنه واسع الغنى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏131- 134‏]‏

‏{‏وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا ‏(‏131‏)‏ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ‏(‏132‏)‏ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآَخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا ‏(‏133‏)‏ مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ‏(‏134‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بأَخَرِينَ‏}‏ روى سهل بن أبي صالح عن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما نزلت ضرب بيده على ظهر سلمان وقال‏:‏ «هُمْ قَوْمُ هّذا» يعني عجم الفرس‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالأخِرَةِ‏}‏ ثواب الدنيا النعمة، وثواب الآخرة الجنة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏135‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ‏(‏135‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ‏}‏ يعني بالعدل ‏{‏شُهَدَآءَ للهِ‏}‏ يعني بالحق‏.‏

‏{‏وَلَو عَلَى أَنْفُسِكُمْ‏}‏ وشهادة الإنسان على نفسه هي إقراراه بما عليه من الحق لخصمه‏.‏

‏{‏أَوِ الْوَالِدَينِ وَالأَقْرَبِينَ‏}‏ أن يشهد عليهم لا لهم‏.‏

‏{‏إِن يَكُنْ غَنِّياً أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ‏}‏ قال السدي‏:‏ نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وقد اختصم إليه رجلان‏:‏ غني وفقير، فكان ميله مع الفقير، يرى أن الفقير لا يظلم الغني، فأمره الله عز وجل أن يقوم بالقسط في الغني والفقير فقال‏:‏ ‏{‏إِن يَكُنْ غَنِّياً أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ‏}‏‏.‏

وقال ابن عباس‏:‏ نزلت في الشهادة لهم وعليهم‏.‏

‏{‏وَإِن تَلوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ‏}‏ قرأ ابن عباس وحمزة بواو واحدة، وهي من الولاية أي تلوا أمور الناس أو تتركواْ، وهذا للولاة والحكام‏.‏

وقرأ الباقون‏:‏ ‏{‏تَلْوُواْ‏}‏ بواوين‏.‏ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة‏:‏ هو أن يلوي الإنسان لسانه بالشهادة كما يلوي الرجل ديْن الرجل إذا مطله، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم «ولَيُّ الْوَاجِدِ يُبِيْحُ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ

» وقال الأعشى‏:‏

يلوونني ديني النهار وأقتضى *** ديني إذا وقذ النعاس الرُّقدا

وتكون على هذه القراءة والتأويل هذا خطاب الشهود‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏136‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ‏(‏136‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ‏}‏ فإن قيل فكيف قيل لهم ‏{‏ءَامِنُواْ‏}‏ وحُكِي عنهم أنهم آمنوا‏؟‏ فعن ذلك ثلاثة أجوبة‏:‏

أحدها‏:‏ يا أيها الذين آمنواْ بمن قبل محمد من الأنبياء آمنواْ بالله ورسوله ويكون ذلك خطاباً ليهود والنصارى‏.‏

الثاني‏:‏ معناه يا أيها الذين آمنوا بأفواههم أمنواْ بقلوبكم، وتكون خطاباً للمنافقين‏.‏

والثالث‏:‏ معناه يا أيها الذين آمنوا داومواْ على إيمانكم، ويكون هذا خطاباً للمؤمنين، وهذا قول الحسن‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏137- 140‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا ‏(‏137‏)‏ بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ‏(‏138‏)‏ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ‏(‏139‏)‏ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ‏(‏140‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ‏}‏ فيه ثلاثة أقاويل‏:‏ فيه ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أنهم آمنواْ بموسى ثم كفرواْ بعبادة العجل، ثم آمنوا بموسى بعد عوده ثم كفرواْ بعيسى، ثم ازدادوا كفراً بمحمد صلى الله عليهم وسلم، وهذا قول قتادة‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم المنافقون آمنوا ثم ارتدواْ، ثم آمنوا ثم ارتدواْ، ثم ماتواْ على كفرهم، وهذا قول مجاهد‏.‏

والثالث‏:‏ أنهم قوم من أهل الكتاب قصدواْ تشكيك المؤمنين فكانواْ يظهرون الإيمان ثم الكفر ثم ازدادواْ كفراً بثبوتهم عليه، وهذا قول الحسن‏.‏ واختلف لمكان هذه الآية في استتابة المرتد على قولين‏:‏

أحدهما‏:‏ أن المرتد يستتاب ثلاث مرات بدلالة الآية، فإن ارتد بعد الثلاث قتل من غير استتابة، وهذا قول علي‏.‏

والثاني‏:‏ يستتاب كلما ارتد، وهو قول الشافعي والجمهور‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏141‏]‏

‏{‏الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ‏(‏141‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ‏}‏ يعني المنافقين‏.‏

‏{‏فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ‏}‏ أي فأعطونا من الغنيمة‏.‏

‏{‏وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ‏}‏ فيه ثلاث تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ معناه ألم نستول عليكم بالمعونة والنصرة ونمنعكم من المؤمنين بالتخذيل عنكم‏.‏

والثاني‏:‏ معناه ألم نبين لكم أننا على دينكم، وهذا قول ابن جريج‏.‏

والثالث‏:‏ معناه ألم نغلب عليكم، وهو قول السدي‏.‏ وأصل الاستحواذ الغلبة، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏اسْتَحْوَذَ عَلَيهُمُ الشَّيْطَانُ‏}‏ يعني غلب عليهم‏.‏

وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيْلاً‏}‏ فيه قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ يعني حُجّة، وهذا قول السدي‏.‏

والثاني‏:‏ سبيلاً في الآخرة، وهذا قول عليّ، وابن عباس‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏142- 143‏]‏

‏{‏إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ‏(‏142‏)‏ مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا ‏(‏143‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ‏}‏ معنى ‏{‏يُخَادِعُونَ اللهَ‏}‏ أي يخادعون نبي الله بما يظهرونه من الإيمان ويبطنونه من الكفر، فصار خداعهم لرسول الله صلى الله عليهم خداعاً لله عز وجل‏.‏

‏{‏وَهُوَ خَادِعُهُمْ‏}‏ يعني الله تعالى، وفيه ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ يعني يعاقبهم على خداعهم، فسمى الجزاء على الفعل باسمه‏.‏

والثاني‏:‏ أنه أمر فيهم بأمر المُخْتَدِع لهم بما أمر به من قبول إيمانهم وإن علم ما يبطنون من كفرهم‏.‏

والثالث‏:‏ ما يعطيهم في الآخرة من النور الذي يمشون به مع المؤمنين، فإذا جاؤواْ إلى الصراط طفئ نورهم، فتلك خديعة الله إياهم‏.‏

‏{‏وَإِذَا قَاموا إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى‏}‏ يحتمل قولين‏:‏

أحدهما‏:‏ متثاقلين‏.‏

والثاني‏:‏ مقصَّرين‏.‏

‏{‏يُرَآؤُونَ النَّاسَ‏}‏ يعني أنهم يقصدون بما يفعلونه من البر رياء الناس دون طاعة الله تعالى‏.‏

‏{‏وَلاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلاً‏}‏ فيه قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ الرياء، لأنه لا يكون إلا ذِكراً حقيراً، وهو قول قتادة‏.‏

والثاني‏:‏ يسيراً لاقتصاره على ما يظهر من التكبير دون ما يخفي من القراءة والتسبيح، وإنما قّلَّ من أجل اعتقادهم لا من قلة ذكرهم‏.‏ قال الحسن‏:‏ لأنه كان لغير الله تعالى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏144- 152‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا ‏(‏144‏)‏ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ‏(‏145‏)‏ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ‏(‏146‏)‏ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ‏(‏147‏)‏ لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ‏(‏148‏)‏ إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا ‏(‏149‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ‏(‏150‏)‏ أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ‏(‏151‏)‏ وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ‏(‏152‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏لاَّ يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ‏}‏ فيه أربعة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ يعني إلا أن يكون مظلوماً فيدعو على من ظلمه، وهذا قول ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ إلا أن يكون مظلوماً فيجهر بظلم من ظلمه، وهذا قول مجاهد‏.‏

والثالث‏:‏ إلا من ظلم فانتصر من ظالمه، وهذا قول الحسن، والسدي‏.‏

والرابع‏:‏ إلا أن يكون ضيفاً، فينزل على رجل فلا يحسن ضيافته، فلا بأس أن يجهر بذمه، وهذه رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد‏.‏

ثم قال بعد أن أباح بالسوء من القول لمن كان مظلوماً‏:‏ ‏{‏إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوءٍ‏}‏ يعني خيراً بدلاً من السوء، أو تخفوا السوء، وإن لم تبدوا خيراً اعفوا عن السوء، كان أولى وأزكى، وإن كان غير العفو مباحاً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏153- 154‏]‏

‏{‏يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآَتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا ‏(‏153‏)‏ وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ‏(‏154‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنْ السَّمَاءِ‏}‏ فيه ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أن اليهود سألوا محمداً صلى الله عليه وسلم، أن ينزل عليهم كتاباً من السماء مكتوباً، كما نزل على موسى الألواح، والتوراة مكتوبة من السماء، وهذا قول السدي، ومحمد بن كعب‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم سألوه نزول ذلك عليهم خاصة، تحكماً في طلب الآيات، وهذا قول الحسن، وقتادة‏.‏

والثالث‏:‏ أنهم سألوه أن ينزِّل على طائفة من رؤسائهم كتاباً من السماء بتصديقه، وهذا قول ابن جريج‏.‏

‏{‏فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً‏}‏ يحتمل وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ أن الله تعالى بيَّن بذلك أن سؤالهم للإعْنَاتِ لا للاستبصار كما أنهم سألوا موسى أن يريهم الله جهرة، ثم كفروا بعبادة العجل‏.‏

والثاني‏:‏ أنه بيَّن بذلك أنهم سألوا ما ليس لهم، كما أنهم سألوا موسى من ذلك ما ليس لهم‏.‏

‏{‏فَقَالُواْ أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً‏}‏ فيه قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنهم سألوه رؤيته جهرة، أي معاينة‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم قالوا‏:‏ جهرة من القول أّرِنا الله، فيكون على التقديم والتأخير، وهذا قول ابن عباس‏.‏

‏{‏فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ‏}‏ فيه قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ بظلمهم لأنفسهم‏.‏

والثاني‏:‏ بظلمهم في سؤالهم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمْ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِم‏}‏ يعني‏:‏ بالعهد الذي أخذ عليهم بعد تصديقهم بالتوراة ان يعملوا بما فيها، فخالفوا بعبادة العجل ونقضوه، فرفع الله عليهم الطور، ليتوبوا، وإلاَّ سقط عليهم فتابوا حينئذ‏.‏

‏{‏وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً‏}‏ فيه قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه باب الموضع الذي عبدوا فيه العجل، وهو من أبواب بيت المقدس، وهذا قول قتادة‏.‏

والثاني‏:‏ باب حِطَّة فأمروا بدخوله ساجدين لله عز وجل‏.‏

‏{‏وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ‏}‏ قرأ ورش عن نافع ‏{‏تَعَدُّوا‏}‏ بفتح العين وتشديد الدال، من الاعتداء، وقرأ الباقون بالتخفيف من عَدَوت‏.‏ وعدوهم فيه تجاوزهم حقوقه، فيكون تعديهم فيه- على تأويل القراءة الثانية- ترك واجباته‏.‏

‏{‏وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً‏}‏ وهو ميثاق آخر بعد رفع الطور عليهم، غير الميثاق الأول‏.‏

وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏غَلِيظاً‏}‏ قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه العهد بعد اليمين‏.‏

والثاني‏:‏ أن بعض اليمين ميثاق غليظ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏155- 159‏]‏

‏{‏فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ‏(‏155‏)‏ وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا ‏(‏156‏)‏ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ‏(‏157‏)‏ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ‏(‏158‏)‏ وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ‏(‏159‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏‏.‏‏.‏‏.‏ وَقَولِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ‏}‏ فيه قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنها محجوبة عن فهم الإعجاز ودلائل التصديق، كالمحجوب في غلافة، وهذا قول بعض البصريين‏.‏

والثاني‏:‏ يعني أنها أوعية للعلم وهي لا تفهم احتجاجك ولا تعرف إعجازك، وهذا قول الزجاج، فيكون ذلك منهم على التأويل الأول إعراضاً، وعلى التأويل الثاني إبطالاً‏.‏

‏{‏بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ‏}‏ فيه تأويلان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه جعل فيها علامة تدل الملائكة على كفرهم كعلامة المطبوع، وهو قول بعض البصريين‏.‏

الثاني‏:‏ ذمهم بأن قلوبهم كالمطبوع عليها التي لا تفهم أبداً ولا تطيع مرشداً، وهذا قول الزجاج‏.‏

‏{‏فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً‏}‏ فيه تأويلان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن القليل منهم يؤمن بالله‏.‏

الثاني‏:‏ لا يؤمنون إلا بقليل، وهو إيمانهم ببعض الأنبياء دون جميعهم‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ‏}‏، أما قولهم‏:‏ ‏{‏إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ‏}‏ فهو من قول اليهود، أخبر الله به عنهم‏.‏

أما ‏{‏رَسُولَ اللهِ‏}‏ ففيه قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه من قول اليهود بمعنى رسول الله في زعمه‏.‏

والثاني‏:‏ أنه من قول الله تعالى لا على وجه الإخبار عنهم، وتقديره‏:‏ الذي هو رسولي‏.‏

‏{‏وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ‏}‏ فيه ثلاثة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ أنهم كانوا يعرفونه فألقى شبهه على غيره، فظنوه المسيح فقتلوه، وهذا قول الحسن، وقتادة، ومجاهد، ووهب، والسدي‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم ما كانوا يعرفونه بعينه، وإن كان مشهوراً فيهم بالذكر، فارتشى منهم يهودي ثلاثين درهماً، ودلهم على غيره مُوهِماً لهم أنه المسيح، فشُبِّهَ عليهم‏.‏

والثالث‏:‏ أنهم كانوا يعرفونه، فخاف رؤساؤهم فتنة عوامِّهم، فإن الله منعهم عنه، فعمدوا إلى غيره، فقتلوه وصلبوه، ومَوَّهُوا على العامة أنه المسيح، ليزول افتتانهم به‏.‏

‏{‏وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ‏}‏ فيه قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنهم اختلفوا فيه قبل قتله، فقال بعضهم‏:‏ هو إله، وقال بعضهم‏:‏ هو ولد، وقال بعضهم‏:‏ هو ساحر، فشكوا ‏{‏مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاَع الظَّنِّ‏}‏ الشك الذي حدث فيهم بالاختلاف‏.‏

والثاني‏:‏ ما لهم بحاله من علم- هل كان رسولاً أو غير رسول‏؟‏- إلا اتباع الظن‏.‏

‏{‏وَمَا قَتَلُوهُ يَقْيناً‏}‏ فيه ثلاثة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ وما قتلوا ظنَّهم يقيناً كقول القائل‏:‏ ما قتلته علماً، وهذا قول ابن عباس، وجويبر‏.‏

والثاني‏:‏ وما قتلوا أمره يقيناً أن الرجل هو المسيح أو غيره، وهذا قول السدي‏.‏

والثالث‏:‏ وما قتلوه حقاً، وهو قول الحسن‏.‏

‏{‏بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ‏}‏ فيه قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه رفعه إلى موضع لا يجري عليه حكم أحد من العباد، فصار رفعه إلى حيث لا يجري عليه حكم العباد رفعاً إليه، وهذا قول بعض البصريين‏.‏

والثاني‏:‏ أنه رفعه إلى السماء، وهو قول الحسن‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ‏}‏ فيه ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ إلا ليؤمنن بالمسيح قبل موت المسيح، إذا نزل من السماء، وهذا قول ابن عباس، وأبي مالك، وقتادة، وابن زيد‏.‏

والثاني‏:‏ إلا ليؤمنن بالمسيح قبل موت الكتابي عند المعاينة، فيؤمن بما أنزل الله من الحق وبالمسيح عيسى ابن مريم، وهذا قول الحسن، ومجاهد، والضحاك، وابن سيرين، وجويبر‏.‏

والثالث‏:‏ إلا ليؤمنن بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل موت الكتابي، وهذا قول عكرمة‏.‏

‏{‏وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً‏}‏ يعني المسيح، وفيه قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه يكون شهيداً بتكذيب من كذبه وتصديق من صدقه من أهل عصره‏.‏

والثاني‏:‏ يكون شهيداً أنه بلَّغ رسالة ربه، وأقر بالعبودية على نفسه، وهذا قول قتادة، وابن جريج‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏160- 171‏]‏

‏{‏فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا ‏(‏160‏)‏ وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ‏(‏161‏)‏ لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا ‏(‏162‏)‏ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ‏(‏163‏)‏ وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ‏(‏164‏)‏ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ‏(‏165‏)‏ لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ‏(‏166‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا ‏(‏167‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا ‏(‏168‏)‏ إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ‏(‏169‏)‏ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآَمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ‏(‏170‏)‏ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ‏(‏171‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ‏}‏ فيه قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه خطاب للنصارى خاصة‏.‏

والثاني‏:‏ أنه خطاب لليهود والنصارى، لأن الفريقين غلوا في المسيح، فقالت النصارى‏:‏ هو الرب، وقالت اليهود‏:‏ هو لغير رشدة، وهذا قول الحسن‏.‏

والغلو‏:‏ مجاوزة الحد، ومنه غلاء السعر، إذا جاوز الحد في الزيادة، وغلا في الدين، إذا فرط في مجاوزة الحق‏.‏

‏{‏وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ‏}‏ يعني في غلوهم في المسيح‏.‏

‏{‏إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ‏}‏ رداً على مَنْ جعله إلهاً، أو لغير رشدة ‏[‏أو‏]‏ ساحراً‏.‏

‏{‏وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَآ إِلَى مَرْيَمَ‏}‏ في كلمته ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ لأن الله كَلَّمَه حين قال له كن، وهذا قول الحسن، وقتادة‏.‏

الثاني‏:‏ لأنه بشارة الله التي بشر بها، فصار بذلك كلمة الله‏.‏

والثالث‏:‏ لأنه يهتدى به كما يُهْتَدَى بكلام الله‏.‏

‏{‏وَرُوحٌ مِّنْهُ‏}‏ فيه ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ سُمِّي بذلك لأنه رُوح من الأرواح، وأضافه الله إلى نفسه تشريفاً له‏.‏

والثاني‏:‏ أنه سُمِّي روحاً؛ لأنه يحيا به الناس كما يُحْيَون بالأرواح‏.‏

والثالث‏:‏ أنه سُمِّي بذلك لنفخ جبريل عليه السلام، لأنه كان ينفخ فيه الروح بإذن الله، والنفخ يُسَمَّى في اللغة روحاً، فكان عن النفخ فسمي به‏.‏‏.‏‏.‏

‏{‏فَئآمِنُواْ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ‏:‏ ثَلاَثَةٌ، انتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ‏}‏ في الثلاثة قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ هو قول النصارى أب وابن وروح القدس، وهذا قول بعض البصريين‏.‏

والثاني‏:‏ هو قول من قال‏:‏ آلهتنا ثلاثة، وهو قول الزجاج‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏172- 175‏]‏

‏{‏لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا ‏(‏172‏)‏ فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ‏(‏173‏)‏ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ‏(‏174‏)‏ فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ‏(‏175‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ‏}‏ هو النبي صلى الله عليه وسلم، لِمَا معه من المعجز الذي يشهد بصدقه‏.‏

‏{‏وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً‏}‏ يعني القرآن سُمِّي نوراً لأنه يظهر به الحق، كما تظهر المرئيات بالنور‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ‏}‏ فيه قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ اعتصموا بالقرآن، وهذا قول ابن جريج‏.‏

والثاني‏:‏ اعتصموا بالله من زيغ الشيطان وهوى الإنسان‏.‏

‏{‏فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً‏}‏ في الهداية قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن يعطيهم في الدنيا ما يؤديهم إلى نعيم الآخرة، وهذا قول الحسن‏.‏

والثاني‏:‏ هو الأخذ بهم في الآخرة إلى طريق الجنة، وهو قول بعض المفسرين البصريين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏176- 176‏]‏

‏{‏يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ‏(‏176‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ‏}‏ الآية‏.‏ قال البراء ابن عازب‏:‏ آخر سورة نزلت كاملة سورة براءة، وآخر آية أنزلت خاتمة، سورة النساء ‏{‏يَسْتَفْتُونَكَ‏}‏‏.‏

وقال جابر بن عبد الله‏:‏ نزلت هذه الآية فيَّ، وقد سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين عادني في مرضي، ولِيَ تسع أخوات، كيف أصنع بمالي‏؟‏ فلم يجبني بشيء، حتى نزلت ‏{‏يَسْتَفْتُونَكَ‏}‏ إلى آخر السورة‏.‏

وقال ابن سيرين‏:‏ نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مسيرة، وإلى جنبه حذيفة بن اليمان، فبلغها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان، وبلَّغَها حذيفةُ عمرَ بن الخطاب، وهو يسير خلفه‏.‏